في الأول من أكتوبرمن كل عام ، لا يمرّ التاريخ في تونس كما تمرّ بقية الأيام.

إنه يومٌ تتداخل فيه فلسطين مع الذاكرة التونسية، وتعود فيه إلى الواجهة حكاية الدم الذي سال على أرض حمّام الشط، حين امتدت يد العدوان إلى تونس، في محاولة لاغتيال حلمٍ فلسطيني كان يبحث عن مساحة للحياة.

واحد وأربعون عاماً مرّت على مجزرة حمّام الشط، وما زالت الذاكرة تحفظ أسماء الذين رحلوا، وتحفظ معهم صورة ذلك الصباح الثقيل، حين دوّت الطائرات فوق المكان، وتحولت البيوت والمقرات إلى شاهد على واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ العلاقة التونسية الفلسطينية.

لم تكن حمّام الشط مجرد موقع جغرافي على خارطة تونس. كانت، في تلك اللحظة، عنواناً لاحتضان تونس للقضية الفلسطينية، ولوجود فلسطيني وجد في تونس أرضاً عربية مفتوحة الأبواب.

وفي الأول من أكتوبر، يستعيد الفلسطينيون والتونسيون معاً هذه الذاكرة، لا باعتبارها صفحة من الماضي فحسب، بل باعتبارها شاهداً على عمق الروابط بين الشعبين.

تونس التي فتحت أبوابها للفلسطينيين، احتضنت الذاكرة والوجع والحلم. وفي المقابل، بقيت فلسطين حاضرة في الوجدان التونسي، في المدارس والشوارع والبيوت، وفي الأغنية والقصيدة والموقف الثقافي والإعلامي.

أربعون عاماً ثم واحد…

والزمن، مهما طال، لا يستطيع أن يمحو ذاكرة المكان.

في حمّام الشط، لا تزال الأرض تعرف أسماء الذين غادروا قبل أن تكتمل أحلامهم.

ولا تزال الذاكرة تقول إن الحروب قد تهدم الحجر، لكنها لا تستطيع هدم الحكاية.

الأول من أكتوبر ليس مجرد ذكرى لمأساة، بل موعد لاستعادة معنى التضامن الإنساني، والتذكير بأن المدنيين يدفعون دائماً أثمان الصراعات، وأن الذاكرة ليست انتقاماً من الماضي، وإنما مسؤولية تجاه المستقبل.

ومن تونس، حيث البحر الذي حمل ذات يوم وجع فلسطين، يبقى الصوت واضحاً:

سلامٌ على أرواح شهداء حمّام الشط…

سلامٌ على فلسطين…

وسلامٌ على كل من آمن بأن الحرية والكرامة حقّ لكل إنسان.

بقلم: أبولبابة العيدودي