
كرتنا بين تصفية الحسابات والبحث شماعة تُعلّق عليها أزمات الهيكلة؟

مع كل تعثر للمنتخب الوطني أو أزمة تعصف بالكرة التونسية، تنتصب المنابر الإعلامية وتتجه أصابع الاتهام نحو اسم بعينه، وكأن مشاكل الرياضة في البلاد اختُزلت بأكملها في شخص نائب رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم، حسين جنيح. هذا التوجيه الممنهج للرأي العام يطرح سؤالاً جوهرياً ومصيرياً: هل نحن أمام نقد رياضي موضوعي لبناء مستقبل الكرة التونسية، أم أمام عملية إلهاء وتصفية حسابات تقودها أجندات وتداخلات معقدة في الكواليس؟
أسئلة العقل.. بعيداً عن التضليل الإعلامي
إذا جردنا المشهد من الشحن العاطفي والخطاب الجهوي، وتناولنا الواقع بأسلوب عقلاني، فإن الأسئلة المباشرة تفرض نفسها:
* هل نائب رئيس الجامعة هو المسؤول عن تهالك البنية التحتية وغياب الملاعب المؤهلة؟
* هل هو المطالب بوضع سياسات التكوين الشامل في مراكز الشبان داخل الأندية؟
* هل هو من يمنح “صك الموهبة” للاعبين، أو يتدخل في الاختيارات الفنية والخطط التكتيكية للإطار الفني للمنتخب؟
بالتأكيد.. لا. فالعمل الإداري في أي هيكل رياضي له أطره وضوابطه، لكن تسويق هذه الصورة النمطية وحصر الاختلالات العميقة في شخص واحد عند كل تعثر، ليس سوى محاولة لهروب الجمع من المسؤولية الجماعية، وخدمة لأجندات لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية العليا للرياضة.
سياط الإعلام ورعاة المشهد: عندما يتصادم المشروع الرياضي مع المصالح
إن الطامة الكبرى التي تعاني منها الرياضة التونسية اليوم لا تكمن فقط في الإدارة، بل في منظومة الاستشهار والإعلام. كيف لمنبر إعلامي أن يمارس النزاهة والموضوعية وهو يعتمد في وجوده واستمراريته على أطراف متداخلة ومباشرة في اللعبة؟
عندما يتعارض أي مشروع لإصلاح المنظومة الكروية أو تقنينها مع مصالح فئة أو شركة استشهارية نافذة، تُفتح أبواب الهجوم الإعلامي وتُسلّط السياط من كل حدب وصوب. إن ظاهرة تضارب المصالح هذه – كأن تكون جهة راعية لفرق منافسة وتتحكم في الوقت ذاته بالمشهد الإعلامي والإعلاني – هي العلة الأساسية التي يتم التغاضي عنها عمداً.
الإعلام الرياضي بين الحياد والاستقطاب الجهوي
لن تستقيم الرياضة في تونس ما لم تُخلع عن المنابر الإعلامية –سواء كانت عاصمية أو جهوية– قمصان الأندية ولغة الاستقطاب الفئوي. لقد تحولت بعض البرامج من فضاءات للتحليل التفكيكي والبحث عن الحلول الجذرية إلى ساحات لتغذية النعرات وإعادة إنتاج الأزمات لخدمة مآرب ضيقة.
الشارع الرياضي اليوم على دراية تامة بما يدور في الكواليس، ويعلم أن الاختزالية في تحميل المسؤولية لشخص بعينه ما هي إلا ستار دخاني للتغطية على عجز الأندية عن التكوين، وتداعي الملاعب، وغياب الرؤية الشاملة للنهوض بالكرة التونسية.
خريطة الطريق: مقترحات وقوانين عملية لمنع تضارب المصالح وإنقاذ المشهد
إن إصلاح كرة القدم التونسية لا يمر عبر تقديم “أكباش فداء” مع كل خسارة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، بل يتطلب قطعاً صريحاً مع الضبابية والتدخلات غير المعلنة عبر ترسانة تشريعية ومؤسساتية تتمحور حول النقاط التالية:
- 1. تنظيم قطاع الاستشهار والمال الرياضي (الشفافية والحوكمة)
* تفعيل قانون العقد الموحد للاستشهار: منع النفوذ الاحتكاري عبر فرض حد أقصى للرعاية المباشرة؛ بحيث يُحظر على الشركة الواحدة أو المجمع المالي الموحد إبرام عقود رعاية حصريّة مع أكثر من نادٍ ينشط في نفس الدرجة أو المسابقة الرسمية لضمان تكافؤ الفرص.
* المنصة الرقمية الموحدة للشفافية: إلزام الجمعيات والهياكل الرياضية بفرز والتصريح بكل عقود الاستشهار والتدفقات المالية عبر منصة إلكترونية علنية لتفادي التمويل الخفي والمقايضات غير المعلنة.
* الفصل بين الملكية والإدارة: إدراج نصوص صريحة تمنع كبار المالكين والمسيرين التنفيذيين ومن ينوبهم في الشركات الراعية من شغل مناصب قيادية في المكتب الجامعي أو الرابطات الوطنية.
- 2. تنظيم الإعلام الرياضي وضبط الملكية التداخلية
* إشهار مصادر التمويل: إلزام البرامج والمنصات الرياضية بالتصريح العلني بهوية المستشهرين والداعمين منعاً لاستغلال المنابر كأدوات ضغط أو توجيه للشارع الرياضي.
* تفعيل ميثاق شرف وأخلاقيات الإعلام: وضع ضوابط حازمة للاستضافات والتحليل الرياضي، مع فرض عقوبات زجرية تصل لـ (سحب الرخص أو منع البث) على المنابر التي تحرض على النعرات الجهوية أو تُستغل لتصفية الحسابات الشخصية.
- 3. إحداث هيئة مستقلة لأخلاقيات الرياضة والنزاهة
* الهيئة الوطنية لأخلاقيات الرياضة: منحها صلاحيات التقصي والرقابة في شبهات تضارب المصالح، وتلقي الشكاوى المتعلقة بالشفافية المالية والتحقق من حياد كافة الفاعلين.
* التصريح بالمكاسب والمصالح: إلزام جميع أعضاء الجامعة، الرابطات، والهيئات التحكيمية والإدارية بتقديم تصريح كتابي بالمكاسب والمصالح لمنع أي تقاطع مع أطراف تجارية أو إعلامية.
- 4. التحول نحو الشركات الرياضية المحترفة
* تحديث النموذج الاقتصادي للأندية: التشجيع على الانتقال من نظام الجمعيات التقليدية إلى “شركات أسهم رياضية” خاضعة لقانون الشركات والرقابة المحاسبية الدولية، مما يقلل اعتماد الأندية على “الهبات الشخصية” وضغوط رجال الأعمال الذين يستغلون التمويل للتحكم في القرارات الرياضية والإعلامية.
خلاصة القول
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة مواجهة الأسباب الحقيقية والاعتراف بأن المشكلة تكمن في المنظومة لا في الأشخاص. ودون سن قوانين صارمة تُنهي تضارب المصالح بين المستشهرين والأندية والإعلام، وتعمل على تطوير البنية التحتية وتحديث التكوين، ستظل الكرة التونسية تدور في نفس الدوامة، وستبقى المنابر الإعلامية رهينة لمن يدفع أكثر، على حساب رياضة وطنية تحتضر.
بقلم :الوجه الرياضي الطاهر الزرلي


