
البطولة التونسية.. من يقتل كرة القدم؟ ومن يملك الشجاعة لإنقاذها؟

بقلم الناقد الرياضي : الطاهر الزرلي
هناك أسئلة لم يعد من الممكن الهروب منها، وهناك حقائق أصبح من العبث تغليفها بالكلمات الجميلة.
البطولة التونسية اليوم ليست في أفضل حالاتها.
والأخطر من ذلك أن الجميع تقريبًا يعرف المشكلة، لكن قليلين يملكون الشجاعة لوضع الإصبع على الجرح.
نحن لا نعاني من نقص في المواهب، ولا من غياب الجماهير، ولا من فقر في تاريخ الأندية. لدينا كل المقومات التي يمكن أن تجعل البطولة التونسية منتجًا رياضيًا محترمًا وقادرًا على المنافسة عربيًا وإفريقيًا.
لكن ماذا فعلنا؟
حولنا البطولة إلى خليط من الارتجال، والاحتجاجات، والتصريحات، والاتهامات، وتبادل المسؤوليات.
نختلف على كل شيء… إلا على الفشل!
كل أسبوع قصة جديدة.
قرار تحكيمي يشعل الجدل، تصريح يفتح معركة، صفحة تخلق أزمة، مسؤول يرد، نادٍ يحتج، وجمهور يغضب… ثم ننسى السؤال الأهم:
ماذا فعلنا من أجل كرة القدم؟
بطولة تُدار بعقلية ردّ الفعل
في كرة القدم الحديثة، هناك مشروع، تخطيط، تحليل، تكوين، استثمار وتسويق.
أما عندنا، فكثيرًا ما تبدأ القرارات بعد وقوع الكارثة.
نخسر مباراة؟ نبحث عن شماعة.
نفشل في التعاقدات؟ نلوم المدرب.
نغير المدرب؟ نلوم اللاعبين.
يتراجع الفريق؟ نلوم التحكيم.
ثم نكتشف بعد أشهر أننا عدنا إلى نقطة الصفر.
هذه ليست استراتيجية.
هذا تدوير للفشل.
وحين تصبح مواقع التواصل غرفة القرار
من أخطر ما حدث للكرة التونسية أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت في أحيان كثيرة لاعبًا غير رسمي في صناعة القرار الرياضي.
صوت مرتفع يفرض نفسه، حملة إلكترونية تبدأ، أسماء تُدفع إلى الواجهة، وأخرى تُحاصر، والجمهور يُستدرج إلى معارك لا يعرف أحيانًا بدايتها ولا نهايتها.
لكن هل عدد المتابعين أصبح معيارًا للكفاءة؟
هل انتشار المنشور أصبح شهادة في التدريب؟
هل عدد المشاهدات أصبح مؤهلًا لإدارة نادٍ؟
إذا كان الجواب نعم، فلنغلق المدارس والمعاهد ونترك الخوارزميات تدير كرة القدم!
والتحكيم؟
لنكن واضحين.
التحكيم يحتاج إلى إصلاح حقيقي.
والأخطاء يجب ألا تُدفن تحت عبارة “جزء من اللعبة” كلما كانت مؤثرة.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن يتحول التحكيم إلى شماعة أسبوعية لتغطية كل عجز.
الفريق الكبير يعرف كيف ينتصر رغم الصعوبات.
والإدارة الكبيرة تعرف كيف تعالج أخطاءها.
والمدرب الكبير يعرف كيف يتحمل مسؤولية خياراته.
واللاعب الكبير يعرف أن كرة القدم تُحسم أيضًا بالتركيز والانضباط واستغلال الفرص.
كفى كلامًا… هذه هي الخطة
إذا كنا جادين فعلًا في إنقاذ البطولة، فعلينا التوقف عن إطلاق الشعارات والبدء في تنفيذ خطة واضحة.
- 1. هيئة مستقلة لتقييم البطولة
خلال أول 100 يوم، تُشكّل لجنة فنية ومالية مستقلة تضم مختصين في الإدارة الرياضية، الاقتصاد، القانون، التحكيم والتكوين.
مهمتها ليست إصدار البيانات، بل تقديم تقرير علني يحدد نقاط الخلل ويضع أهدافًا سنوية قابلة للقياس.
لا مزيد من القرارات المبنية على الانطباعات.
كل إصلاح يحتاج إلى أرقام ومواعيد ومسؤوليات.
- 2. فرض الحوكمة المالية على الأندية
لا يمكن لنادٍ أن يعيش فوق إمكاناته ثم يطالب الجميع بإنقاذه.
يجب اعتماد نظام مالي واضح:
– نشر البيانات المالية الأساسية للأندية.
– مراقبة الديون والالتزامات.
– ربط الانتدابات بالقدرة المالية.
– منع تراكم مستحقات اللاعبين.
– فرض خطط تسوية واضحة للديون القديمة.
الهدف ليس معاقبة الأندية.
الهدف منع إفلاسها.
- 3. الاستثمار الإجباري في الشبان
كل نادٍ محترف يجب أن يملك برنامج تكوين حقيقيًا، لا مجرد فرق شبان تحمل اسم النادي.
نريد مدربين مختصين، بنية تحتية، متابعة بدنية وطبية، ومسارًا واضحًا من فئات الشبان إلى الفريق الأول.
ويجب أن تكون هناك حوافز مالية ورياضية للأندية التي تمنح دقائق لعب حقيقية للاعبين الشبان.
لأن أسهل طريقة لتدمير مستقبل الكرة هي أن نشتري كل موسم حلولًا جاهزة وننسى صناعة اللاعب التونسي.
- 4. إصلاح التحكيم بشفافية
لا يكفي تغيير الأشخاص.
المطلوب منظومة كاملة:
تكوين مستمر، تقييم مستقل، نشر المعايير، تحليل الأخطاء المؤثرة، وتوضيح القرارات عندما تسمح القوانين بذلك.
والأهم:
الحكم يجب أن يُحاسب مهنيًا، لكنه يجب أيضًا أن يُحمى من الضغط والترهيب.
لا يمكن أن نطلب تحكيمًا قويًا ثم نترك الحكم تحت سيل من التهديدات والاتهامات.
- 5. غرفة عمليات للروزنامة والتنظيم
الروزنامة ليست ورقة تُعدّل كلما ظهرت أزمة.
يجب إعداد روزنامة موسمية مسبقة قدر الإمكان، مع مراعاة المشاركات القارية والدولية، وتحديد قواعد واضحة للتأجيلات والاستثناءات.
كلما كان القانون واضحًا، قلّ مجال الفوضى.
- 6. تحويل البطولة إلى منتج قابل للاستثمار
لماذا لا نملك بطولة أقوى تسويقيًا رغم وجود أندية جماهيرية؟
لأننا ما زلنا نتعامل مع البطولة كمسابقة فقط، بدل اعتبارها منتجًا رياضيًا متكاملًا.
نحتاج إلى:
– هوية بصرية موحدة.
– محتوى رقمي احترافي.
– إحصائيات رسمية متاحة للجمهور.
– تسويق أفضل للمباريات.
– تحسين تجربة المشجع داخل الملعب.
– تطوير حقوق البث والرعاية.
الجمهور لا يجب أن يكون مجرد متفرج يدفع ثمن التذكرة.
الجمهور هو أصل تجاري ورياضي يجب الاستثمار فيه.
- 7. ميثاق جديد للإعلام الرياضي
لا نريد إسكات النقد.
نريد العكس تمامًا.
نريد نقدًا أقوى، لكنه مهني.
يجب أن يكون هناك فرق واضح بين الصحافة والتحريض، وبين التحليل وصناعة الفتنة، وبين الخبر والإشاعة.
وفي المقابل، يجب على المؤسسات الرياضية أن تتوقف عن معاقبة الإعلام لمجرد أنه انتقدها.
الإعلام الحر ليس عدوًا للرياضة؛ الإعلام المهني أحد شروط إصلاحها.
- 8. تحديد المسؤوليات ومحاسبة النتائج
هذه أهم نقطة.
كل مؤسسة يجب أن تعرف ما المطلوب منها، ومتى يجب أن تنجزه، ومن يتحمل المسؤولية إذا فشلت.
لا نريد بعد عام أن نسمع:
“كانت الظروف صعبة.”
ولا:
“لم يكن الوقت كافيًا.”
ولا:
“هناك أطراف أخرى تتحمل المسؤولية.”
نريد أرقامًا.
نريد مؤشرات.
نريد نتائج.
ومن يفشل في تحقيقها يُحاسب.
خطة 100 يوم… ثم 3 سنوات
الإصلاح لا يحدث في أسبوع.
لكن يمكن قياس بدايته.
خلال 100 يوم: تشخيص مالي وإداري، تحديد المسؤوليات، إعلان خطة إصلاح، ووضع معايير واضحة للتحكيم والتنظيم.
خلال سنة: بدء إصلاح الحوكمة المالية، تطوير التكوين، تحسين الرزنامة، وإطلاق مشروع تسويق حقيقي للبطولة.
خلال ثلاث سنوات: بناء نموذج أكثر استقرارًا ماليًا، رفع جودة التكوين، تحسين الملاعب وتجربة الجماهير، وزيادة قدرة الأندية على المنافسة القارية.
هذه ليست أحلامًا.
لكنها لن تتحقق إذا بقي الإصلاح مجرد شعار يُرفع عندما تشتعل أزمة.
والآن… الكرة في ملعب من؟
المسؤولية ليست على الجامعة وحدها.
ولا على الأندية وحدها.
ولا على الحكام.
ولا على الإعلام.
ولا على الجماهير.
المسؤولية مشتركة، لكن المسؤولية المشتركة لا تعني أن لا أحد يتحمل المسؤولية.
كل طرف يجب أن يعرف دوره، وكل طرف يجب أن يُحاسب على ما يقع ضمن صلاحياته.
فالبطولة التونسية لا تحتاج إلى من يجمّل صورتها.
تحتاج إلى من يواجه حقيقتها.
لا تحتاج إلى مزيد من البيانات.
تحتاج إلى قرارات.
لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ.
تحتاج إلى مؤسسات.
لا تحتاج إلى البحث عن شماعة جديدة كل أسبوع.
تحتاج إلى منظومة تتحمل المسؤولية.
لقد جربنا الارتجال طويلًا.
والنتيجة أمامنا.
والآن حان وقت التجربة الأصعب:
أن ندير كرة القدم بعقلية الاحتراف فعلًا.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للبطولة ليس أن تخسر مباراة…
بل أن تخسر مستقبلها ونحن نصفق لها وهي تسقط.طبعًا. الأفضل أن تتحول الخطة من شعارات إلى جدول مساءلة يحدد: من يفعل ماذا، ومتى، وكيف نقيس النجاح.
محور الإصلاح الجهة المسؤولة الإجراء المطلوب الأجل المقترح مؤشر النجاح
الحوكمة الجامعة التونسية لكرة القدم إنشاء لجنة مستقلة للإصلاح والمتابعة أول 100 يوم نشر تقرير إصلاح سنوي
مالية الأندية الجامعة + الأندية تدقيق مالي وإعلان الالتزامات والديون الأساسية 6 أشهر انخفاض الديون المتأخرة
الانتدابات الأندية + هيئة رقابة مالية ربط الانتدابات بالقدرة المالية للنادي بداية كل موسم عدم تراكم مستحقات جديدة
التكوين الأندية + الإدارة الفنية الوطنية وضع برنامج موحد لتطوير مراكز الشبان سنة زيادة مشاركة اللاعبين الشبان
التحكيم الإدارة الوطنية للتحكيم تقييم دوري للحكام ونشر تقارير فنية عن الأخطاء المؤثرة مستمر انخفاض الأخطاء المؤثرة وتحسن التقييمات
الرزنامة الرابطة المعنية بالمسابقة إعداد رزنامة موسمية واضحة وثابتة قبل الموسم تقليل التأجيلات العشوائية
الملاعب الجهات المالكة للملاعب + الأندية تحديد نقائص الملاعب ووضع جدول زمني للإصلاح سنة–3 سنوات تحسن شروط السلامة والاستقبال
حقوق البث الجامعة + الرابطة + الأندية إعادة تقييم حقوق البث وتسويق المنتج سنة نمو الإيرادات والمتابعة
التسويق الرابطة + شركة/فريق تسويق متخصص بناء هوية تجارية للبطولة وجذب رعاة جدد سنة زيادة الرعاية والإيرادات
الإعلام الرياضي المؤسسات الإعلامية + النقابات/الهياكل المهنية اعتماد معايير مهنية ضد الإشاعة والتحريض مستمر ارتفاع المحتوى التحليلي الموثوق
الجماهير الأندية + السلطات المختصة تحسين تجربة المشجع وتنظيم الدخول والخروج سنة ارتفاع الحضور وانخفاض الحوادث
البيانات والإحصائيات الرابطة إنشاء منصة رسمية للإحصائيات والنتائج 6 أشهر توفر البيانات الرسمية للجمهور
المساءلة جميع الهياكل نشر تقرير سنوي يوضح ما أُنجز وما لم يُنجز وأسباب التعثر سنوي وجود محاسبة علنية قابلة للقياس
قاعدة بسيطة: لا مسؤولية بلا محاسبة
ولكي لا يتحول الجدول نفسه إلى وثيقة أخرى تُحفظ في الأدراج، أقترح إضافة نظام تقييم سنوي:
– 🟢 أُنجز: تم تحقيق الهدف.
– 🟡 متأخر: بدأ التنفيذ لكن لم يتحقق الهدف في الموعد.
– 🔴 فشل: لم يبدأ التنفيذ أو لم يتحقق الهدف دون مبرر مقبول


