
بهيجة البعطوط.. ابنة طوزة التي جعلت من الحرف نافذةً على الروح

شاعرة وقاصّة وأديبة تونسية، من أرض المنستير، حيث تنطلق الحكاية من الذاكرة وتكبر القصيدة في فضاء الإبداع
ليست الكتابة مجرّد كلمات تصطفّ على بياض الورق، وليست القصيدة ترفًا لغويًا عابرًا في حياة صاحبها، بل هي، في جوهرها، محاولة للإمساك بما يتفلّت من الحياة، واستعادة ما يتركه الزمن في الروح من آثار وأسئلة وحنين. ومن هذا الأفق يمكن الاقتراب من تجربة الأديبة التونسية بهيجة البعطوط، الشاعرة والقاصّة التي تنتسب إلى طوزة، تلك المنطقة من ولاية المنستير التي تختزن في ذاكرتها عبق الأرض وملامح المكان وثراء المخيال التونسي.
بهيجة البعطوط.. حين تتعدّد وجوه الإبداع
أن تكون المرأة شاعرة وقاصّة وأديبة، فذلك يعني أنها اختارت أكثر من نافذة للإطلال على العالم؛ نافذة القصيدة بما تحمله من تكثيف شعوري وإيحاء، ونافذة القصة بما تتيحه من بناء للشخصيات واستنطاق للتفاصيل، وفضاء الأدب الرحب الذي يجمع التجربة الإنسانية في صورها المتعددة.
إن تعدّد الأجناس الإبداعية ليس مجرد تنقّل بين أشكال الكتابة، بل هو بحث متواصل عن اللغة الأكثر قدرة على التعبير، وعن الشكل الذي يستوعب الفكرة ويمنح المشاعر فرصة للتحوّل إلى أثر أدبي. ومن هنا تبرز أهمية حضور الكاتبات التونسيات في المشهد الثقافي، بما يقدّمنه من رؤى وتجارب تسهم في إثراء الكتابة وتوسيع دوائر الحوار حول الإنسان والمجتمع والذاكرة.
طوزة والمنستير.. ذاكرة المكان في وجدان الكاتبة
للمكان في حياة المبدع منزلة تتجاوز الجغرافيا. فقد يكون قريةً صغيرةً تسكن الذاكرة، أو طريقًا قديمًا يعيد تشكيل الحنين، أو وجوهًا وملامح تظلّ حاضرة حتى عندما تتغيّر الأزمنة والمسافات.
ومن طوزة، في ولاية المنستير، تستمدّ بهيجة البعطوط انتسابها إلى بيئة تونسية لها خصوصيتها الاجتماعية والثقافية، في منطقة يتجاور فيها عبق الساحل وذاكرة الأرض وتقاليد الحياة اليومية. وليس من الضروري أن يذكر الكاتب المكان في كل نص حتى يكون حاضرًا فيه؛ فقد يتسرّب المكان إلى نبرة العبارة، وإلى طبيعة الشخصيات، وإلى طريقة النظر إلى الحياة.
وإذا كان المكان يمنح الأديب بعض ملامح البدايات، فإن الإبداع يظلّ رحلة مفتوحة تتجاوز الحدود المحلية، لتخاطب الإنسان في اختلافاته وتشابهاته، وفي أحلامه وانكساراته وأسئلته الكبرى.
المرأة والكتابة.. صوت يضيف ولا يكتفي بالتكرار
تأتي تجربة بهيجة البعطوط ضمن فضاء أوسع تمثّله المرأة التونسية التي وجدت في الكتابة سبيلًا للتعبير والمشاركة الثقافية، ولتقديم رؤيتها الخاصة للعالم. وقد أثبتت الأديبات التونسيات، عبر أجيال مختلفة، أن الإبداع لا يُقاس بنوع صاحبه، بل بقدرته على ابتكار المعنى، وتجاوز المألوف، وفتح مسالك جديدة أمام اللغة والفكر.
فالشعر يمنح التجربة كثافتها، والقصة تمنح التفاصيل حياتها، والأدب يظلّ المجال الذي تلتقي فيه الذات بالآخر، والخاص بالعام، والذاكرة بالحاضر. وفي هذا الفضاء تتحدّد قيمة كل تجربة بقدر ما تملكه من صدق فني وخصوصية في التعبير وإضافة إلى المشهد الثقافي.
من المحلية إلى الأفق الإنساني
إن التعريف بالمبدعين التونسيين، ولا سيما أولئك الذين ينطلقون من المدن والقرى خارج المركز الثقافي، ليس مجرّد احتفاء بالأسماء، بل هو مساهمة في بناء ذاكرة أدبية وطنية أكثر شمولًا. فالإبداع لا يولد في العواصم وحدها، ولا تُحدّد قيمته المسافة التي تفصله عن المنابر الكبرى؛ إذ قد تنطلق قصيدة من قرية هادئة لتجد طريقها إلى قلوب بعيدة، وقد تتحوّل حكاية من تفاصيل الحياة اليومية إلى سؤال إنساني مشترك.
ومن هذا المنطلق، فإن تسليط الضوء على بهيجة البعطوط، الشاعرة والقاصّة والأديبة التونسية ابنة طوزة، هو دعوة إلى مزيد من التعريف بالمبدعات التونسيات، وإلى الإنصات لما تحمله تجاربهن من إمكانات جمالية وفكرية، مع إتاحة المجال أمام نصوصهن لتتحدث عن نفسها، وتكشف عن عوالمها وخصوصيتها.
بهيجة البعطوط.. اسم يستحق أن نقترب من عوالمه
لا تكتمل صورة الأديب بالصفات التي تسبق اسمه، مهما تعدّدت، بل تتشكّل أساسًا من نصوصه، ومن قدرته على ترك أثر في القارئ. لذلك تظلّ الكتابة الإبداعية هي الشاهد الأصدق على التجربة، وهي المساحة التي تكشف عن خصوصية الصوت وفرادته.
وبهيجة البعطوط، بما تمثّله من حضور في فضاء الشعر والقصة والأدب، تستحق أن تكون موضع اهتمام ثقافي وإعلامي يعرّف بها وبإنتاجها، ويمنح القارئ فرصة اكتشاف عالمها من خلال نصوصها المنشورة وتجربتها الإبداعية.
فالأدب التونسي، في غناه وتنوّعه، لا يُكتب بأسماء المدن الكبرى وحدها، بل بأصوات تأتي من مختلف الجهات، تحمل معها ذاكرة المكان وأسئلة الإنسان وأحلامه. ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقدّمه الإعلام الثقافي لهذه الأصوات هو أن يفتح أمامها النوافذ، لا ليصنع لها صورة جاهزة، بل ليتيح لأعمالها أن تقول ما تريد قوله، وأن تجد مكانها المستحق في ذاكرة الثقافة التونسية.
إعداد: أبولبابة العيدودي


