بين دوز وقبلي، وعلى مسافة تقارب 30 كيلومتراً من كل منهما، تستلقي واحة الجرسين في هدوء الصحراء ودفء النخيل، حاملةً في تفاصيلها حكاية مكان اختار أن يجعل من الثقافة والتراث والتاريخ جسراً بين الأمس والغد.

في هذه الواحة التي يلقبها أهلها بـ**«الجرجيس الخضراء» و«أم القرى»**، تأسست سنة 2016 جمعية الأمل الثقافية بالجرسين، برئاسة السيد عبد الرحمان ضيف الله، لتكون إحدى الفضاءات المدنية التي راهنت على الثقافة والتراث والتاريخ باعتبارها ذاكرة حيّة وليست مجرد صفحات من الماضي.

ومنذ تأسيسها، تعمل الجمعية على تنشيط المشهد الثقافي بالمنطقة، والتعريف بموروث الجرسين، وإحياء العادات والتقاليد، وفتح نوافذ جديدة أمام الأجيال الشابة لاكتشاف جذورها والاعتزاز بها.

ولعل من أبرز المحطات التي تستعد الجرسين لاحتضانها قريباً تظاهرة «ميعاد الأجداد» في نسختها الثانية، وهي تظاهرة تحمل أكثر من معنى؛ فهي احتفاء بالأجداد، وتكريم لجيل صنع الحياة في ظروف صعبة، وحفظ الذاكرة الشعبية، ونقل الحكاية من جيل إلى جيل.

«ميعاد الأجداد» ليس مجرد موعد ثقافي، بل هو عودة رمزية إلى زمن كانت فيه الحكاية تُروى حول النار، وكانت الحكمة تنتقل من أفواه الكبار إلى قلوب الصغار، وكانت الواحة كتاباً مفتوحاً تقرأ فيه الأجيال تاريخها وأحلامها.

وفي أجندة الجمعية أيضاً مشروع طموح يتمثل في مخيم بيئي ثقافي «شانيليا»، وهو مشروع يمكن أن يتحول إلى فضاء جديد يجمع بين البيئة والثقافة والتراث، ويمنح الأطفال والشباب فرصة لاكتشاف جمال الواحة والصحراء، والتفاعل مع الطبيعة، والتعرف إلى الموروث المحلي في إطار تربوي وإبداعي.

الجرسين اليوم لا تريد أن تكون مجرد نقطة على خارطة الجنوب، بل تسعى إلى أن تكون عنواناً للثقافة والذاكرة والبيئة، وأن تقول إن الواحات ليست نخلاً وماءً ورمالاً فقط، وإنما هي أيضاً ذاكرة بشر، وأغانٍ وحكايات، وعادات وتقاليد، وأحلام تتجدد.

هنا، في «الجرجيس الخضراء»، يبدو الماضي حاضراً بقوة، لكنّه لا يقف في وجه المستقبل؛ بل يمسك بيده. وهنا أيضاً يصبح الأجداد سفراء للذاكرة، ويصبح الشباب حراساً للغد.

إنها الجرسين… أم القرى، واحة الأمل، وميعاد الذاكرة، ومكان يستحق أن تُسمع حكايته أبعد من حدود النخيل.

ابولبابة العيدودي