ليست الفنون التشكيلية مجرد ألوان تتجاور فوق مساحة بيضاء، ولا هي خطوط تتقاطع لتصنع أشكالًا بصرية عابرة، بل هي لغة أخرى للروح، ونافذة يطلّ منها الفنان على العالم، مستعينًا بريشته ليعيد تشكيل الواقع، ويمنح الأشياء معاني تتجاوز حدود المرئي والمألوف. ومن هذا الأفق الإبداعي، تبرز تجربة الفنانة التشكيلية الجزائرية زهية حشاش، القادمة من مدينة قسنطينة، المدينة التي تختزن في تضاريسها وجسورها وعمارتها وذاكرتها التاريخية مادة ثرية للإلهام الفني والجمالي.

من الواقعية إلى اكتشاف الذات الفنية

تُعدّ الواقعية إحدى المحطات الأساسية في المسار الفني لزهية حشاش، فقد انطلقت من ملاحظة العالم المحيط بها، مستلهمة تفاصيله وملامحه، ومشتغلة على نقل المرئيات إلى اللوحة بما تحمله من أشكال وألوان وعلاقات بصرية. وفي هذا الاتجاه، لا تكون اللوحة مجرد محاكاة للطبيعة، بل تصبح تمرينًا على الإصغاء إلى تفاصيلها، واكتشاف ما تختزنه من جماليات خفية.

ولأن التجربة الفنية الحقيقية لا تقف عند حدود مرحلة واحدة، فقد أخذ مسارها يتطور تدريجيًا، منتقلة من الواقعية إلى الفن التشخيصي، في رحلة بحث عن أدوات تعبيرية أكثر اتساعًا، وعن مساحة أرحب تمنحها القدرة على إعادة صياغة رؤيتها الخاصة للعالم.

إن هذا الانتقال ليس مجرد تبديل في الأسلوب أو التقنية، بل هو تحول في العلاقة بين الفنان وموضوعه؛ فبعد أن كانت العين تنطلق من الواقع لتعيد تمثيله، أصبحت المخيلة أكثر حضورًا في بناء الصورة، وأضحى التعبير عن الإحساس والفكرة جزءًا أساسيًا من تشكيل العمل الفني.

التجريد.. حين تتحرر الألوان من سلطة الأشياء

في مرحلة لاحقة، اتجهت زهية حشاش نحو التجريد، وهو فضاء فني يمنح الفنان حرية واسعة في التعامل مع اللون والخط والشكل والكتلة، بعيدًا عن ضرورة الالتزام بالتفاصيل الواقعية للأشياء.

والتجريد، في جوهره، ليس تخليًا عن العالم، بل محاولة لرؤيته من زاوية مختلفة؛ إذ قد يتحول اللون إلى إحساس، والخط إلى حركة، والمساحة إلى حالة وجدانية، وتصبح اللوحة مجالًا مفتوحًا للتأويل، يشارك فيه المتلقي بخياله وتجربته وقراءته الخاصة.

ومن هنا، يمكن النظر إلى مسار زهية حشاش بوصفه رحلة من ملاحقة الشكل الظاهر إلى استكشاف المعنى الكامن، ومن الالتزام بملامح الواقع إلى امتلاك حرية أكبر في التعبير عن الذات. وهي رحلة تستدعي من الفنان حساسية بصرية متجددة، وقدرة على التجريب، وشجاعة في تجاوز المألوف دون التفريط في خصوصية التجربة.

قسنطينة.. ذاكرة المكان وامتداد الإلهام

لا يمكن فصل تجربة فنانة تنتمي إلى قسنطينة عن الثراء الثقافي والجمالي لهذه المدينة الجزائرية العريقة. فقسنطينة ليست مجرد فضاء جغرافي، وإنما ذاكرة متراكمة من التاريخ والعمارة والحجر والجسور والمناظر الطبيعية، تتجاور فيها صرامة التضاريس مع رهافة المشهد، وتلتقي فيها الأصالة بالتجدد.

ومهما تنوعت الأساليب الفنية، يظل المكان أحد الروافد الممكنة لتكوين الحس الجمالي لدى الفنان، سواء ظهر أثره بصورة مباشرة في موضوعات اللوحات، أو تسلل إلى التجربة بصورة غير مباشرة عبر الإحساس بالكتلة والفراغ والضوء واللون.

وفي تجربة زهية حشاش، يكتسب الانتماء إلى هذه البيئة الثقافية قيمة إضافية، باعتباره جزءًا من الخلفية الحضارية التي تنطلق منها الفنانة في بناء عالمها البصري، وهي تسعى إلى التعبير عن رؤيتها الخاصة، والانفتاح في الوقت نفسه على لغات الفن المعاصر.

ستة عقود من المعارض؟ بل أكثر من ستين محطة فنية

إن مشاركة زهية حشاش في أكثر من ستين معرضًا فنيًا تمثل محطة مهمة في مسيرتها الإبداعية، إذ تعكس حضورًا متواصلًا في فضاءات العرض، وفرصًا متعددة للاحتكاك بالتجارب الفنية الأخرى، ووضع الأعمال أمام قراءات مختلفة من الجمهور والنقاد والمهتمين بالفنون التشكيلية.

فالمعرض ليس مجرد مكان لتعليق اللوحات، بل هو فضاء للحوار بين الفنان والمتلقي، واختبار لقدرة العمل الفني على إثارة الأسئلة واستدعاء المشاعر وفتح مسالك جديدة للفهم والتأويل.

كما أن تراكم المشاركات يمنح الفنان فرصة لمراجعة تجربته وتطوير أدواته، والاستفادة من تنوع البيئات الفنية والثقافية، وهو ما يجعل الاستمرارية عنصرًا مهمًا في قراءة أي مسيرة تشكيلية.

وتشير هذه المشاركات المتعددة إلى أن تجربة زهية حشاش لم تبق حبيسة مرسمها، بل اتجهت إلى التواصل مع الآخرين، وإلى اختبار قدرتها على الوصول إلى جمهور أوسع، في سياق فني تتعدد فيه المدارس والاتجاهات وتختلف فيه معايير التلقي.

من قسنطينة إلى “كان”.. حين تعبر اللوحة حدود المكان

ومن المحطات اللافتة في مسيرة الفنانة زهية حشاش وصول بعض أعمالها إلى المزاد الفني بمدينة كان الفرنسية، وهو معطى يضيف بُعدًا دوليًا إلى حضورها الفني.

فوجود العمل التشكيلي في فضاء للمزادات يضعه ضمن سياق تتقاطع فيه القيمة الفنية مع اهتمام المقتنين وحركة التداول الثقافي والفني. غير أن القيمة الحقيقية لأي تجربة تشكيلية لا تختزل في بيع اللوحات أو تداولها، بل تتأسس أيضًا على خصوصية الرؤية، وتماسك اللغة البصرية، وقدرة الفنان على بناء عالم فني يترك أثره في الذاكرة

وتظل مثل هذه المحطات فرصة للتعريف بالتجارب الفنية الجزائرية خارج حدودها الوطنية، وإبراز ما تزخر به الجزائر من طاقات إبداعية تستحق المتابعة والقراءة والتوثيق.

التكريمات.. اعتراف بالمسار ودافع إلى الاستمرار

حظيت زهية حشاش بعدد من التكريمات والتقديرات، وهي محطات يمكن قراءتها في إطار الاعتراف بجهد الفنانة واستمراريتها في العمل التشكيلي.

لكن التكريم، مهما كانت قيمته المعنوية، لا يمثل نهاية الطريق، بل ينبغي أن يكون حافزًا لمزيد من البحث والتجريب والانفتاح على آفاق جديدة. فالفنان الحقيقي يظل في حالة سؤال دائم، لا يكتفي بما أنجزه، ولا يتوقف عند حدود ما حققه، بل يسعى إلى تجديد أدواته وتوسيع مساحة التعبير لديه.

ومن هذا المنطلق، تكتسب تجربة زهية حشاش أهميتها من اجتماع عناصر متعددة فيها: التكوين الفني،

تظل رحلة زهية حشاش من واقعية اللون إلى حرية التجريد شاهدًا على أن الإبداع ليس طريقًا مستقيمًا، بل مسار متجدد، تتغير فيه الأدوات وتتسع الرؤية، فيما تبقى اللوحة مساحة مفتوحة للدهشة، ويظل اللون قادرًا على قول ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله.

تحليل: أبولبابة العيدودي