
قراءة إجتماعية عن قرب للواقع التلمذي المدرسي : صدور كتاب “سوسيولوجيا المعرفة وإعادة بناء الفعل التربوي”

-الدكتور منذر عافي من الأمكنة الأكثر حيوية في المدرسة
أصدر الدكتور منذر عافي ،الباحث التونسي في علم الاجتماع والتربية كتابه الجديد “سوسيولوجيا المعرفة وإعادة بناء الفعل التربوي :نجو نموذج تفاعلي لإنتاج المعرفة والهوية في المجتمع المعاصر ” وقد كتب عن الهدف الذي بحث عنه من خلال هذا المؤلف القيم الذي يتماشى مع منطق العصر وتكنولوجيا المعرفة عندما فرغ من كتابته في تدوينة معمقة على حسابه في الفايس بوك جاءت كالتالي :
سوسيولوجيا المدرسة
حاولت في هذا الكتاب أن أقترب من المدرسة من الامكنة الاكثر حيوية : القسم، الساحة، الإدارة، العلاقة بين المدرس والتلميذ، وبين التلاميذ بعضهم ببعض. فالمدرسة التي نعرفها انطلاقا من البرامج والقرارات والتقارير ليست كل المدرسة. ثمة حياة أخرى قد تكون أحيانا أكثر تأثيرا من النصوص التي تنظمها.
ما يدخل إلى المدرسة قادما اليها من محيطها الخارجي لا يبقى خارج أسوارها. الأسرة حاضرة في سلوك التلميذ، وكذلك الحي والشارع ووسائل الإعلام وما يعيشه الطفل في محيطه. يظهر ذلك في طريقة كلامه، وفي علاقته بزملائه، وفي نظرته إلى المدرس، بل حتى في الطريقة التي يتعامل بها مع النجاح والفشل. وفي المقابل، قد يجد التلميذ داخل المدرسة شخصًا أو تجربة تغير شيئًا في نظرته إلى نفسه. مدرس شجعه في وقت مناسب، أو كتاب فتح أمامه سؤالًا جديدًا، أو صديق جعله يشعر بأنه مقبول داخل المجموعة. أشياء صغيرة، لكنها تظل في الذاكرة.
التلميذ يدخل القسم ومعه قصة لا نراها كاملة. نعرف اسمه ومستواه ونتيجته، لكننا لا نعرف دائمًا ما الذي حدث قبل أن يجلس على مقعده. ربما قضى ليلة مضطربة، أو جاء إلى المدرسة بعد خلاف في البيت، أو أصبح يشعر بأنه أقل من زملائه بسبب تكرار فشله. وقد يكون العكس تمامًا؛ يعيش في وسط عائلي يمنحه ثقة وتشجيعا مستمرا. كل ذلك يظهر بطريقة أو بأخرى أثناء الدرس
من هنا تأتي أهمية العلاقات بين التلاميذ. القسم ليس مجموعة من الأفراد يجلسون في المكان نفسه وينتظرون انتهاء الحصة. تتشكل داخله صداقات وتحالفات ومنافسات، ويظهر فيه من يقود المجموعة ومن يفضل البقاء بعيدًا عنها. أحيانًا تساعد الصداقة على تجاوز صعوبة دراسية، وأحيانًا تجعل جماعة صغيرة تلميذًا يشعر بأنه غير مرغوب فيه. وقد يبدأ الخلاف من مسألة بسيطة ثم يتطور إلى نفور من المدرسة نفسها. المدرس يرى جزءًا من هذه التفاصيل، والإدارة ترى جزءًا آخر، بينما يبقى كثير منها داخل عالم التلاميذ.
وهنا تظهر مسألة التفاوت الاجتماعي بصورة واضحة. التلاميذ يجلسون في القسم نفسه، لكنهم لا يأتون إليه بالرصيد نفسه. بعضهم لديه غرفة هادئة وكتب ومراجع واتصال جيد بالإنترنت وشخص يساعده في المراجعة. تلميذ آخر قد يعود إلى بيت مزدحم، أو يجد نفسه مسؤولًا عن بعض الأعمال، أو يراجع دروسه في ظروف لا تساعده كثيرًا. ثم نقارن العلامات وننسى هذه الفروق.
لا يعني ذلك أن كل نجاح سببه الظروف، ولا أن كل تعثر يمكن تفسيره بالوضع الاجتماعي. المسألة أكثر تعقيدًا. هناك اجتهاد شخصي، وهناك قدرات مختلفة، وهناك مدرسون يصنعون فرقًا حقيقيًا. لكن الإنصاف يقتضي أن نعرف نقطة البداية قبل أن نحكم على النتيجة.
أذكر دائمًا أن تدخلًا بسيطًا من مدرس يمكن أن يغير مسار تلميذ. كلمة تشجيع في وقتها، تكليف بمهمة يشعر معها بأنه قادر، أو مجرد اهتمام بسؤاله. أحيانًا لا يحتاج التلميذ إلى درس إضافي بقدر ما يحتاج إلى شخص يصدّق أنه قادر على النجاح. وهذه أشياء يصعب وضعها في جدول إحصائي، مع أنها جزء من العمل التربوي.
والقسم نفسه لا يسير دائمًا وفق الخطة التي وضعها المدرس. قد ينطلق الدرس في اتجاه، ثم يأتي سؤال من آخر الصف ويغير الحديث كله. يضحك التلاميذ، يتدخل أحدهم، يعترض آخر، ويجد المدرس نفسه أمام فكرة لم تكن في التحضير. هذه اللحظات قد تكون مزعجة أحيانًا، لكنها قد تكون تعليمية جدًا. فالطفل يتعلم كيف يعرض رأيه، وكيف يرد على رأي مخالف، وكيف يعترف بأنه أخطأ. وربما تكون هذه الخبرات أهم من إجابة صحيحة في ورقة امتحان.
أما البرنامج، فهو يعكس صورة معينة للمعرفة وللمتعلم الذي نريد تكوينه. وهذا أمر يستحق النقاش باستمرار. العالم تغير، والمعلومة أصبحت متاحة بكثرة. يستطيع التلميذ أن يبحث عن إجابة بسرعة، لكنه قد لا يعرف إن كانت صحيحة، أو من أين جاءت، أو لماذا قيلت بهذه الطريقة. المدرسة مطالبة بأن تساعده على التعامل مع هذا الكم، وأن تمنحه شيئًا من القدرة على التحقق والفهم والربط. حفظ بعض المعلومات ضروري، لكنه لا يستطيع أن يحمل العملية التعليمية كلها.
أما التكنولوجيا، فقد حاولت أن أنظر إليها بعيدًا عن الحماس الذي يرافق كل جديد. دخول الحاسوب أو اللوح الرقمي إلى القسم لا يغير التعليم تلقائيًا. رأينا وسائل حديثة تستعمل بطريقة قديمة، ورأينا في المقابل مدرسين يستفيدون من أدوات بسيطة لإيصال فكرة صعبة. المهم هو ما يحدث أثناء التعلم. الجهاز وسيلة، وليس مشروعًا تربويًا في حد ذاته.
وتظهر المشكلة نفسها عندما نتحدث عن الإصلاح. القرار الإداري يمكن أن يغير برنامجًا أو يحدد طريقة جديدة للعمل، لكنه لا يستطيع وحده أن يغير ما يحدث صباح كل يوم في القسم. التنفيذ يمر عبر المدرس، والإدارة، والتلميذ، والإمكانات المتوفرة، والوقت، وعدد التلاميذ، وحتى العادات التي أصبحت جزءًا من حياة المؤسسة. لهذا تفشل أحيانًا أفكار جيدة عندما تصل إلى الواقع.
المدرسون يعرفون ذلك جيدًا. كثير من الأشياء التي تبدو بسيطة في الوثيقة تصبح أكثر صعوبة عندما يواجهها المدرس داخل قسم مكتظ. وهو يعرف أيضًا ما الذي يمكن أن ينجح مع تلاميذه وما الذي يحتاج إلى تعديل. لذلك أتعامل مع خبرة المدرس باعتبارها معرفة مهنية لها قيمة. الإصلاح يحتاج إلى هذه الخبرة، وإلى مساحة تسمح للمدرس بأن يجرب ويقترح ويناقش النتائج.
الأمر ذاته ينطبق على الإدارة والتلاميذ. لا توجد مدرسة تشبه الأخرى تمامًا. لكل مؤسسة تاريخها ومشكلاتها وعلاقاتها الداخلية. لذلك لا أرى فائدة كبيرة في نقل تجربة جاهزة ثم انتظار النتائج نفسها. الأفضل أن تبدأ الفكرة من حاجة حقيقية، وأن تجرب على نطاق يسمح بالتعلم من الأخطاء. بعض المحاولات ستنجح، وبعضها لن ينجح. المهم ألا نتعامل مع الفشل باعتباره نهاية، بل كمعلومة تساعدنا على تعديل الطريق.
التقييم يحتاج بدوره إلى هذا النوع من النظر. ا ضروالعدد ية في النظام المدرسي، لكنه يختصر مسارا طويلا في رقم واحد. خلف علامة 8 أو 14 أو 18 قصة كاملة لا نراها في الورقة. لماذا حصل التلميذ على هذه النتيجة؟ ماذا فهم؟ أين تعثر؟ هل يعاني من صعوبات لم يتسن كشفها ولا تشخيصهغوهل المشكلة في الدرس أم في طريقة تقديمه؟ هل يحتاج إلى وقت إضافي؟
لهذا لا أتعامل مع التقييم باعتباره مناسبة لإصدار الاحكام فقط. يمكن أن يكون وسيلة لفهم سياقات وظروف القاء الدرس والتعلم.
لا ادعي أني قدمت مشروعا جاهزا لإصلاح المدرسة. الواقع المدرسي أكثر تنوعًا من أن يستجيب لوصفة واحدة. اهتممت فقط ببعض، التفاصيل: علاقة التلميذ بالمعرفة، علاقته بزملائه، موقع المدرس، دور الإدارة، أثر الفوارق الاجتماعية، حدود التكنولوجيا، وطرق التقييم. هذه العناصر اراها مؤثرة وهامة داخل الحياة المدرسية.
تنويه :
الكتاب متوفر حاليا في مكتبة مجمع الأطرش للكتاب المختص شارع لندن تونس
اقرأ أيضًا


