هناك مدن تمتلك مهرجاناً، وهناك مدن تمتلك ثروة تستحق أن يكون مهرجانها في مستوى تلك الثروة.

وتبرسق تنتمي، دون مبالغة، إلى الصنف الثاني.

فحين نتحدث عن زيت الزيتون التبرسقي، فإننا لا نتحدث عن منتوج فلاحي عادي، ولا عن موسم ينتهي بانتهاء عملية الجني والعصر، وإنما عن هوية جغرافية وفلاحية وغذائية واقتصادية تمتلك كل مقومات التحول إلى علامة تجارية تونسية قادرة على المنافسة في الأسواق الوطنية والدولية.

زيت زيتون تبرسق يتمتع منذ سنة 2018 بتسمية منشأ محمية، وتحدد النصوص الرسمية مجال إنتاجه ومواصفاته بدقة. وهو زيت بكر ممتاز ينتج أساساً من الأصناف المحلية، وفي مقدمتها الشّتوي بنسبة تتراوح بين 85 و94 بالمائة، والجربوعي بنسبة 5 إلى 10 بالمائة، ضمن منطقة جغرافية ذات خصائص طبيعية ومناخية مميزة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

 

الذهب الأخضر الذي لم نكتشف كل قيمته بعد

زيت الزيتون هو أحد أهم أصول الاقتصاد الفلاحي التونسي.

وتونس نفسها أصبحت لاعباً عالمياً كبيراً في هذا القطاع؛ فقد بلغ إنتاج موسم 2025-2026 نحو 500 ألف طن، وفق بيانات أوردتها مصادر إعلامية نقلاً عن المجلس الدولي للزيتون، كما حققت الصادرات التونسية مستويات قياسية. لكن المفارقة أن الجزء الأكبر من الصادرات ما زال في شكل زيت سائب، وهو ما يعني أن تونس تنتج الثروة لكنها لا تستحوذ دائماً على كامل القيمة المضافة.

وهنا يمكن أن نفهم أهمية تبرسق.

زيت تبرسق لا ينبغي أن يباع فقط كزيت؛ بل يجب أن يباع كقصة ومكان وهوية وذاكرة وجودة.

فالزجاجة التي تحمل اسم «زيت زيتون تبرسق» يمكن أن تحمل معها صورة المدينة، والجبال، والأرض، والأشجار، والفلاح، وطريقة الإنتاج، والمطبخ التونسي، والتاريخ، والبيئة، والسياحة.

وهذه هي القيمة المضافة التي لا تظهر في سعر اللتر فقط.

لماذا تبرسق بالذات؟

القيمة ليست في الزيت وحده، وإنما في العلاقة بين الزيت ومجاله الجغرافي.

المواصفات الرسمية لزيت تبرسق تربط المنتج بخصائص طبيعية محددة: مناطق إنتاج على ارتفاع يتجاوز 300 متر، مناخ شبه جاف، معدل أمطار يتراوح بين 400 و600 ملم سنوياً، وتربة يغلب عليها الأصل الكلسي. كما تحدد المواصفات خصائص كيميائية وحسية للزيت، من بينها ارتفاع نسبة حمض الأولييك وانخفاض الحموضة، إلى جانب خصائص ذوقية وعطرية مميزة.

وهذا يعني أن تبرسق لا تملك مجرد «زيت جيد»، بل تمتلك تراباً ينتج زيتاً ذا هوية.

والفرق بين الاثنين كبير جداً في الاقتصاد الحديث.

فالسوق العالمية لا تبحث فقط عن المنتج، بل تبحث عن المنتج الموثوق، القابل للتتبع، صاحب القصة، وصاحب العلامة.

من الفلاحة إلى السياحة

هنا تحديداً يبدو أن مهرجان زيت الزيتون بتبرسق لم يكتشف بعد كل إمكاناته.

المهرجان في دورته العاشرة سنة 2025 كان مناسبة للتعريف بالزيت وعرض المنتجات المحلية والحرف والصناعات التقليدية وتنظيم أنشطة فنية وتنشيطية، وهو جهد مهم يستحق التقدير.

لكن السؤال الحقيقي هو:

هل يكفي مهرجان لمدة ثلاثة أيام لكي نروّج لثروة تمتد قيمتها الاقتصادية والثقافية على مدار السنة؟

الجواب، في تقديري، لا.

مهرجان زيت الزيتون في تبرسق يحتاج إلى أن ينتقل من منطق «التظاهرة» إلى منطق «المشروع».

فالفرق بينهما أن التظاهرة تنتهي بانتهاء أيامها، أما المشروع فيستمر قبل المهرجان وبعده.

ماذا يمكن أن يكون مهرجان تبرسق؟

يمكن أن يصبح موعداً وطنياً ودولياً لزيت الزيتون.

يمكن أن يضم معرضاً دائماً للمنتجين، ومسابقة دولية للزيوت، ومختبرات للتذوق، وندوات اقتصادية، ولقاءات بين المنتجين والمصدرين، وورشات في التعبئة والتغليف والتسويق الإلكتروني.

ويمكن أن يتحول إلى سوق مباشرة بين المنتج والمستهلك، وإلى منصة لتوقيع عقود تصدير، وإلى فضاء لاستقبال المشترين والخبراء والمطاعم والفنادق وشركات التوزيع.

بل يمكن أن يصبح «أسبوع تبرسق للذهب الأخضر»، وليس مجرد مهرجان محلي.

السياحة الزيتونية.. كنز آخر

لماذا لا تصبح تبرسق وجهة للسياحة الزيتونية؟

لماذا لا يأتي السائح لزيارة المعاصر والبساتين، ويتذوق الزيت، ويشارك في موسم الجني، ويتعرف على الفلاحين، ويتناول الأطباق المحلية، ويقتني قنينة زيت فاخرة تحمل اسم تبرسق؟

هذه ليست فكرة خيالية.

إنها جزء من الاقتصاد السياحي الجديد الذي يقوم على التجربة لا على مشاهدة المعالم فقط.

تبرسق تستطيع أن تبيع للسائح الزيت، لكنها تستطيع أيضاً أن تبيع له يوماً كاملاً من الحياة التبرسقية.

وهنا يصبح الفلاح شريكاً في السياحة، والحرفي شريكاً، والمطعم شريكاً، والنزل شريكاً، ووسائل الإعلام شريكاً.

المشكلة ليست في الزيت.. المشكلة في التسويق

قد يكون المنتج ممتازاً، لكن المنتج الممتاز الذي لا يعرف العالم كيف يصل إليه يظل أسير السوق المحلية.

وهذا أحد أكبر تحديات زيت الزيتون التونسي عموماً.

فتونس تحقق نجاحات لافتة في مسابقات الجودة الدولية؛ ففي مسابقة دولية بجنيف سنة 2026 حصلت علامات تونسية على عشرات الميداليات الذهبية، وهو ما يؤكد أن الجودة التونسية قادرة على الحضور في المنافسة العالمية.

لكن الجودة وحدها لا تكفي.

الجودة تحتاج إلى علامة. والعلامة تحتاج إلى قصة. والقصة تحتاج إلى إعلام. والإعلام يحتاج إلى استراتيجية.

وهنا يأتي دور مهرجان تبرسق.

لماذا مهرجان ضعيف أمام ثروة قوية؟

الضعف ليس بالضرورة في الأشخاص الذين ينظمون المهرجان، وإنما في حجم الرؤية وحجم الإمكانات وحجم الاستثمار الاتصالي.

حين تكون لدينا تسمية منشأ محمية دولياً، ومنتوج يتمتع بخصائص مميزة، ومنطقة ذات تراث وتاريخ وطبيعة، ثم لا يتحول كل ذلك إلى علامة سياحية واقتصادية كبرى، فالمشكلة تصبح مشكلة إدارة للفرصة.

تبرسق تستحق مهرجاناً يجذب الصحافة الوطنية والدولية.

تستحق منصة رقمية بلغات متعددة.

تستحق أفلاماً وثائقية.

تستحق دعوة خبراء دوليين في زيت الزيتون.

تستحق ربط المهرجان بالمطارات والفنادق والمطاعم والمسارات السياحية.

وتستحق قبل كل ذلك أن نؤمن بأن زيت الزيتون ليس مجرد مادة غذائية، بل ثروة سيادية وذاكرة وطنية وسلعة استراتيجية.

من «اللتر» إلى «العلامة»

المستقبل ليس في بيع الزيت باللتر فقط.

المستقبل في بيع العلامة التبرسقية.

زجاجة أنيقة، قصة واضحة، منشأ موثق، تصميم تونسي، معلومات دقيقة، تتبع إلكتروني، تسويق رقمي، مشاركة في المسابقات الدولية، وحضور في المتاجر الراقية والمطاعم والفنادق.

وعندما يشتري المستهلك الياباني أو الأمريكي أو الأوروبي زجاجة زيت تبرسقي، يجب أن يعرف أين توجد تبرسق، وأن يشعر أنه لا يشتري زيتاً فقط، بل يشتري قطعة من تونس.

تبرسق.. عاصمة يمكن أن تكون للذهب الأخضر

قد لا تحتاج تبرسق إلى مهرجان أكبر فقط.

إنها تحتاج إلى رؤية أكبر.

رؤية تجعل من الزيت محوراً للتنمية المحلية، ومن المهرجان بوابة للاستثمار، ومن تسمية المنشأ أداة للتصدير، ومن الفلاحة جسراً للسياحة، ومن التراث مادة للإبداع الإعلامي والثقافي.

وإذا كان العالم يتحدث اليوم عن الاقتصاد الأخضر، فإن تبرسق تمتلك بالفعل ذهبها الأخضر تحت أشجار الزيتون.

المطلوب فقط أن نراه.

وأن نعطيه قيمته.

وأن نمنحه مهرجاناً يليق به.

فالثروة كبيرة…

لكن المهرجان، حتى الآن، ما زال أصغر من الثروة.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس:

متى يقام مهرجان زيت الزيتون بتبرسق؟

بل:

متى تتحول تبرسق بزيتها إلى علامة تونسية عالمية؟

بقلم: أبولبابة العيدودي