في اليوم العالمي للسياحة، لا يكفي أن نحتفل بالأرقام والمؤشرات والصور الجميلة التي تقدم تونس كوجهة سياحية متكاملة، بل يصبح من الضروري أن نتوقف قليلاً أمام المرآة، وأن نسأل: أين تقف السياحة التونسية اليوم؟ وماذا نريد لها غداً؟

لا شك أن السياحة تمثل أحد أعمدة الاقتصاد التونسي، بما توفره من مواطن شغل ومداخيل للعملة الصعبة وحركة اقتصادية تمتد من المدن الساحلية إلى المناطق الداخلية والصحراوية. لكن حجم القطاع وأهميته يجعلان الأسئلة حول مستقبله أكبر وأكثر إلحاحاً.

أولى هذه الأسئلة تتعلق بالإعلام السياحي. فتونس تملك رصيداً هائلاً من المقومات، من الشواطئ إلى الصحراء، ومن المدن العتيقة إلى الواحات والجبال والمواقع الأثرية، لكن هذا الرصيد يحتاج إلى إعلام سياحي حديث، متواصل ومهني، قادر على صناعة الصورة السياحية والتعريف بالمنتوج التونسي في الأسواق العربية والدولية، وليس الاكتفاء بالمواسم والحملات الظرفية.

كما تحتاج تونس إلى تجديد خطابها الترويجي. فالسائح اليوم لا يبحث فقط عن الفندق والشاطئ، بل عن التجربة: الثقافة، المطبخ، الطبيعة، المغامرة، الصحراء، الواحات، المهرجانات، الصناعات التقليدية، السياحة الرياضية والاستشفائية والبيئية. وتونس قادرة على تقديم كل ذلك، إذا نجحت في تحويل تنوعها إلى منتوجات سياحية واضحة وقابلة للتسويق.

ثم هناك ملف النظافة والبيئة، وهو من الملفات التي لا يمكن فصلها عن صورة الوجهة السياحية. فالمدينة النظيفة، والشاطئ النظيف، والواحة المحمية، والموقع الأثري المصان، كلها جزء من المنتوج السياحي، وليست مسائل ثانوية.

أما جودة الخدمات، فهي بدورها عنصر أساسي في بناء الثقة. فالسائح يقارن بين الوجهات، وما يبقى في ذاكرته ليس الفندق وحده، بل طريقة الاستقبال، والنقل، والمعلومة، والأسعار، وسرعة الخدمات، وحسن المعاملة.

وتبقى الصناعات التقليدية ثروة تونسية تحتاج إلى مزيد من التثمين. فالمنتوج التقليدي يمكن أن يكون سفيراً للهوية التونسية، ومصدراً للدخل، وعنصراً من عناصر التجربة السياحية، إذا تم تطويره وتسويقه بطريقة عصرية تحافظ على الأصالة وتستجيب في الوقت نفسه لذوق الأسواق الجديدة.

ومن جهة أخرى، فإن السياحة الداخلية مازالت تحتاج إلى رؤية أكثر شمولاً. فتونس ليست فقط سواحل وفنادق، بل هي أيضاً دوز وتوزر وقبلي وقفصة وقابس والكاف وعين دراهم وتطاوين ونفطة ودقاش وغيرها من المناطق التي تختزن إمكانات سياحية وثقافية وبيئية كبيرة.

وتبقى المعلومة السياحية مسألة أساسية. فالسائح يحتاج إلى أن يعرف أين يذهب، وماذا يزور، وكيف يصل، وما هي الخدمات المتاحة، وما هي الفعاليات والمهرجانات والأنشطة الموجودة. وفي زمن المنصات الرقمية، أصبحت المعلومة جزءاً من الرحلة نفسها.

كما أن تثمين التراث يحتاج إلى رؤية تتجاوز المحافظة على المواقع إلى جعلها حية وقابلة للزيارة والاكتشاف والاستثمار الثقافي والسياحي المسؤول. فكل مدينة تونسية تقريباً تحمل قصة، وكل قرية تقريباً تملك ذاكرة، وكل واحة أو جبل أو موقع أثري يمكن أن يتحول إلى محطة في خريطة سياحية متنوعة.

والسؤال الأكبر يبقى في التنسيق بين مختلف المتدخلين: وزارة وسلطة محلية ومهنيون ووكالات أسفار وفنادق وبلديات ومجتمع مدني وإعلام ومؤسسات ثقافية وبيئية. فالسياحة منظومة متكاملة، وأي خلل في حلقة منها ينعكس على الصورة العامة.

إن تونس لا ينقصها ما تقوله للعالم؛ لديها البحر والصحراء والواحات والتاريخ والثقافة والمطبخ والإنسان والمهرجانات. ما تحتاجه أكثر هو أن تجمع هذه العناصر في رؤية واحدة، وأن تحسن رواية قصتها وتسويقها وإدارتها.

وفي اليوم العالمي للسياحة، ربما يكون الاحتفال الحقيقي ليس فقط بتعداد الوافدين والعائدات، وإنما بطرح الأسئلة الصعبة والبحث عن إجابات عملية لها.

السياحة التونسية قطاع كبير، ولذلك فإن أسئلتها يجب أن تكون كبيرة أيضاً والمستقبل لن ينتظر كثيراً.

ابولبابة العيدودي